في قضية تعكس التوتر المتصاعد بين حرية التعبير وسقف القانون، أصدرت قاضي التحقيق الأول في بيروت رلى عثمان قرارًا ظنيًا بحق المدعى عليه علي الرضا حسين برو، على خلفية فيديوهات أثارت جدلًا واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتضمّنت عبارات اعتُبرت مسيئة ومحرّضة وتهديدية طالت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
القضية بدأت بمقاطع مصوّرة انتشرت بسرعة على “فايسبوك” و”إنستغرام” و”إكس”، قبل أن تتحول إلى مسار قضائي متكامل، حيث جرى رصد المحتوى وفتح تحقيق انتهى باستجواب المدعى عليه. وقد أقرّ برو بتصوير الفيديوهات ونشرها بإرادته، مشيرًا إلى أنه كان يعبّر عن موقفه من قرارات الحكومة، من دون نية تنفيذ التهديدات الواردة فيها، كما لم يقم بحذفها رغم انتشارها.
وخلال التحقيق، أعرب برو عن أسفه لما صدر عنه، معتبرًا أن تصريحاته جاءت كرد فعل على الأوضاع العامة، وأنها قيلت في لحظة انفعال. كما تبيّن أنه كان قد أوقف في 6 آذار في محلة رأس النبع ضمن إطار متابعة الملف.
في المقابل، رأت القاضية عثمان أن مضمون الفيديوهات يتجاوز حدود الرأي والتعبير، ويدخل في إطار الأفعال الجرمية، خصوصًا لناحية التهديد والتعرّض لمقام رئاسة الجمهورية، إضافة إلى طبيعة الخطاب الحاد المستخدم.
وبناءً عليه، ادعى القرار الظني على برو بجرائم جنحية تشمل القدح والذم والتحقير بحق رئيس الجمهورية، استنادًا إلى المواد 383 و384 و386 و388 من قانون العقوبات، إلى جانب جرم التهديد بارتكاب جناية وفق المادة 578.
غير أن القرار حمل في الوقت نفسه مقاربة متوازنة، إذ منعت القاضية المحاكمة عن المدعى عليه في مواد أخرى تتعلق بإثارة النعرات الطائفية وإضعاف الشعور القومي والتحريض على النزاع بين فئات المجتمع، معتبرة أن ما ورد في الفيديوهات، رغم حدّته، لا يصل إلى مستوى التحريض على حرب أهلية أو عصيان مسلح.
بهذا التوصيف، رسم القرار خطًا فاصلاً بين الخطاب السياسي المتوتر، حتى في أقصى درجاته، وبين الجرم الجنائي الذي يستوجب توصيفًا أشد، في محاولة لضبط المعادلة بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية.
كما تضمّن القرار ردّ طلب إخلاء سبيل المدعى عليه، مع الإبقاء عليه موقوفًا، فيما لا يزال المسار القضائي مفتوحًا بعد إحالة الملف إلى النيابة العامة الاستئنافية في بيروت، بانتظار قرار النائب العام الاستئنافي القاضي رجا حاموش، سواء باستئناف القرار أو تركه يسلك طريقه نحو المحاكمة أمام القاضي المنفرد الجزائي.
في المحصلة، تشكّل هذه القضية نموذجًا واضحًا لكيفية تعامل القضاء اللبناني مع محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تبقى حرية التعبير مكفولة، لكنها تبقى أيضًا محكومة بضوابط قانونية لا يمكن تجاوزها.




