لقد استند صعود الصين الاقتصادي إلى قوة عمل شابة ومنخفضة التكلفة، دعمت نموها القائم على التصنيع. ومع ذلك، فإن هذا النموذج أصبح الآن مهددًا بسبب التغيرات الديموغرافية، حيث تواجه البلاد شيخوخة سكانية وتراجعًا في حجم القوى العاملة. وابتداءً من عام 2022، بدأ عدد سكان الصين في الانخفاض، ومن المتوقع أن يتراجع بأكثر من 100 مليون نسمة بحلول عام 2050، مع تجاوز نسبة من تزيد أعمارهم عن 65 عامًا حاجز الـ 25% من إجمالي السكان. هذا التحول الديموغرافي يشير إلى تقلص قاعدة العمالة، مما يشكل تحديات خطيرة لاقتصاد يعتمد بشدة على التصنيع.
وقد ارتفع متوسط عمر السكان في الصين من 28.6 عامًا في عام 1990 إلى 36.7 عامًا بحلول عام 2025، مما أدى إلى زيادة الأجور وجعل الصين أقل قدرة على المنافسة في قطاع التصنيع منخفض التكلفة. ونتيجة لذلك، بدأت الشركات المصنعة في الانتقال إلى جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا، حيث لا تزال العمالة أرخص.
ورغم أن الصين تستثمر بكثافة في الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتعويض تراجع القوى العاملة، إلا أن هذه التقنيات لا يمكنها أن تقود النمو بنفس الطريقة التي يقودها العمل البشري. فرغم أن الأتمتة والروبوتات توفر كفاءة عالية في الإنتاج، إلا أنها لا تخلق طلبًا استهلاكيًا أو ابتكارًا—وهما عاملان أساسيان للنمو الاقتصادي المستدام. في الواقع، تعمل الروبوتات والذكاء الاصطناعي على تحسين الكفاءة فقط، دون توسيع حجم السوق. وهذا يشكل مشكلة خطيرة للصين، حيث إن الاستهلاك المنخفض (يمثل فقط 39% من الناتج المحلي الإجمالي) يعوق النمو. ويصبح الانتقال إلى اقتصاد قائم على الاستهلاك أكثر صعوبة في غياب طبقة وسطى كبيرة قادرة على الإنفاق.
ويزيد من تعقيد هذه المشكلة حالة الانكماش الاقتصادي وتأجيل الإنفاق، حيث يتردد الناس في شراء السلع بسبب حالة عدم اليقين الاقتصادي، إضافة إلى عوامل ثقافية وتأثيرات جائحة كوفيد-19. ففي الصين، هناك ثقافة راسخة من التوفير والحذر المالي، ازدادت حدةً بعد الجائحة، حيث أصبح العديد من المواطنين يركزون على تأمين مستقبلهم المالي بدلاً من الإنفاق الفوري. وهذا يؤدي بدوره إلى فقدان الوظائف، ويؤدي إلى مزيد من التراجع في الطلب المحلي، مما يخلق حلقة من الانكماش الاقتصادي.
وعلاوة على ذلك، فإن فائض الصين التجاري البالغ 857 مليار دولار يتعرض لضغوط متزايدة من السياسات الحمائية العالمية والعقوبات، خصوصًا في الصناعات التكنولوجية المتقدمة مثل أشباه الموصلات، مما يحد من قدرتها على الابتكار.
وعلى الرغم من أن مبادرة "صُنع في الصين 2025" تهدف إلى التحول نحو التصنيع عالي التقنية، إلا أن الصين لا تزال تفتقر إلى القوى العاملة الماهرة اللازمة لهذه الصناعات المتقدمة. ورغم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والأتمتة، فإن هذه التقنيات وحدها لا يمكنها حل المشكلات الديموغرافية التي تواجهها البلاد، مما يجعل من الصعب بشكل متزايد أن تصل الصين إلى مصاف الدول ذات الدخل المرتفع حسب تصنيف البنك الدولي.




