شهدت الساعات الثماني والأربعين الماضية حراكاً دبلوماسياً وأمنياً عابراً للقارات، تداخلت فيه خطوط الاتصال الساخنة بين واشنطن، بيروت، طهران، تل أبيب، وعواصم خليجية وآسيوية، في محاولة لصياغة معادلة ميدانية جديدة وإنقاذ مسار التفاوض من الانزلاق نحو مواجهة شاملة غير محسوبة. "الجديد" تروي الوقائع الكاملة وفكّ الشيفرة الدبلوماسية التي أفضت إلى المشهد الراهن.
### الشرارة الأولى: العرض الإسرائيلي المرفوض
بدأ المشهد الأمني الجديد بالتبلور من العاصمة الأميركية، وتحديداً في اتصال مباشر بين وزارة الخارجية الأميركية والسفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى حماده. أُبلغت حماده رسمياً بطرح إسرائيلي يقوم على معادلة: **تحييد الضاحية الجنوبية لبيروت من القصف مقابل كف حزب الله عن استهداف الشمال الإسرائيلي**.
فور تبلغها العرض، نقلت السفير حماده المعطيات إلى رئاسة الجمهورية في بعبدا، ليتحرك على الفور مستشار الرئيس، أندريه رحال، متوجهاً إلى مقر رئاسة المجلس النيابي في عين التينة، حيث وضع المقترح بين يدي الرئيس نبيه بري.
### "الفيتو" المشترك والضمانة الملتزمة
الرئيس بري، وبحسب الوقائع، تريّث في تقديم أي رد رسمي قبل تقييم الموقف والتواصل مباشرة مع قيادة حزب الله. وجاء جواب الحزب حاسماً وقاطعاً: **المعادلة المقبولة والوحيدة هي وقف إطلاق نار شامل وكامل لا يقتصر على جغرافيا محددة كالضاحية الجنوبية**. وعلى وقع هذا الموقف الموحد، عاد الرئيس بري ليعلن صراحة أنه "يضمن التزام الحزب" في حال التوصل إلى صيغة وقف إطلاق نار شامل في كل لبنان.
### الدبلوماسية الردعية: طهران وخطوط الوسطاء
بالتوازي، دخلت الجمهورية الإسلامية في إيران على خط الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، مهددة بالتدخل المباشر في الحرب في حال عدم الانصياع لمطلب الوقف الشامل لإطلاق النار. هذا التحذير حرك دبلوماسية "المطافئ" الإقليمية؛ حيث تدخل الجانبان القطري والباكستاني بجهود مكثفة مع واشنطن، ليدقا ناقوس الخطر في البيت الأبيض حول إمكانية انهيار المفاوضات وانفجار الإقليم.
في المقابل، قادت المملكة العربية السعودية حراكاً موازياً، فاتحةً خطوط الاتصال مع واشنطن وعلى مستوى الرئاسات الثلاث في لبنان، حيث أجرى المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان اتصالاً مطولاً بالرئيس بري، بُعيد انقشاع موجة التهديدات الإسرائيلية التي كانت جاثمة على العاصمة بيروت.
### تغريدة ترامب ودخول بعبدا المستفسر
أمام تماسك الموقف اللبناني والضغط الإيراني-الخليجي، تواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مبلّغاً إياه بسقوط معادلة المقاصة الميدانية، ومشدداً على وجوب الذهاب نحو وقف شامل لإطلاق النار التزاماً بالحل الإقليمي الأوسع. وبناءً على هذه الأجواء، صاغ ترامب تغريدته الشهيرة التي أعلن فيها أن الطرفين سيتوقفان عن تبادل النيران، كاشفاً عن تواصله مع حزب الله عبر وسطاء.
هذا التطور دفع قصر بعبدا للدخول فوراً على خط العاصمة الأميركية، مستفسراً من السفير ندى حماده عن الخلفيات والأبعاد القانونية والسياسية لتغريدة ترامب، في وقت طلب فيه الجانب الإسرائيلي مهلة أيام لتحديد موقفه النهائي من وقف النار جنوباً مقابل التراجع عن استهداف الضاحية.
### الميدان يحكم.. وسيناريوهات الساعات المقبلة
وفيما تبدو الأمور معلقة بانتظار الموقف الإسرائيلي، أكدت مصادر حزب الله لـ"الجديد" أن المعركة التفاوضية توقفت حالياً عند هذا الحد، مشددة على أن "الميدان وحده هو الحكم"، مع التمسك الكلي بمعادلة الوقف الشامل في كل لبنان، وهو ما عبّر عنه نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي بالقول: "لا عودة لما قبل الثاني من آذار، وسيادة لبنان ليست للمساومة".
بالمقابل، كشفت مصادر دبلوماسية أميركية لـ"الجديد" عن سيناريو محتمل للساعات أو الأيام القليلة المقبلة، قد يحمل **وقفاً لإطلاق النار في كل لبنان من دون انسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من الجنوب ومن دون وقف العمليات الميدانية على الأرض**. وترى المصادر أن هذا السيناريو، إن تحقق، سيمثل "الخطوة الأولى" لفتح باب التفاوض الجدي حول الترتيبات السياسية والأمنية لما بعد وقف النار.
ولحين اتضاح الرؤية، تواصل تل أبيب سياسة "التفاوض تحت النار"، حيث تصعّد غاراتها العنيفة على قرى وبلدات الجنوب اللبناني، مدمّرةً أحياءً سكنية بكاملها لإحداث أكبر قدر من الضغط الميداني قبل إعلان الموقف النهائي.




