بيروت — تدرك الدوائر السياسية والعسكرية في تل أبيب أن التقدم الميداني نحو مدينة النبطية لن يشكل نهاية للمقاومة، ولن يؤدي إلى تقويض القدرات العملياتية لحزب الله، في ظل استمرار سلاح المسيرات والصواريخ في استهداف خطوط التوغل من مناطق عميقة أخرى. هذا الواقع الميداني يضع القيادة الإسرائيلية أمام خيار توسيع رقعة العمليات العسكرية نحو "خط الدفاع الثالث"، وهو ما مهدت له بالفعل عبر تكثيف غاراتها وإصدار إنذارات إخلاء شملت قرى جبل الريحان، إقليم التفاح، والبقاع الغربي، وصولاً إلى استهداف محيط طريق سد القرعون.

معضلة التضاريس الصخرية في خط الدفاع الثالث

إن التدرج في التوسع الإسرائيلي قد يعيد إلى الأذهان ملامح من سيناريو اجتياح عام 1982، حتى وإن لم يصل سقف الأهداف الميدانية إلى العاصمة بيروت. ومع ذلك، فإن أي تحرك لما بعد النبطية سيصطدم ببيئة جغرافية وعسكرية شديدة التعقيد؛ حيث يمثل خط الدفاع الثالث منظومة من المرتفعات الجبلية العالية ذات الطبيعة الصخرية والحصانة الطبيعية، والتي تمنح المدافعين مديات رؤية واستهداف مفتوحة تكشف أي قوات متقدمة صعوداً، مما يجعل اختراقها مكلفاً ما لم تلجأ إسرائيل إلى فتح محاور التفافية جديدة.

سيناريو الالتفاف عبر البقاع وحاصبيا

وفقاً للقراءة العسكرية، يتطلب تجاوز هذه المعضلة التضاريسية فتح جبهة جديدة انطلاقاً من جبل الشيخ باتجاه قضائي حاصبيا وراشيا، للوصول إلى مشارف البقاع الغربي. يهدف هذا المناور الاستراتيجي إلى:

عزل الجنوب بالكامل وفصله جغرافياً عن عمقه في البقاع.

السيطرة على التلال الحاكمة والمشرفة على المنطقة.

التحرك المحاذي للحدود اللبنانية السورية، بالتوازي مع المؤشرات الميدانية التي تظهر محاولات إسرائيلية لدمج مناطق في قضاء حاصبيا مع جغرافيا جنوب سوريا.

إضاءة تاريخية: إن محاولة التحكم في هذه العقد الجغرافية تعيد التذكير بمعركة "السلطان يعقوب" الشهيرة عام 1982، حين خاض الجيش السوري مواجهة شرسة لمنع القوات الإسرائيلية من السيطرة على تقاطعات الطرق الحيوية التي تربط بين لبنان وسوريا.

التداعيات الجيوسياسية والإقليمية

لا تقتصر أبعاد هذا التوغل المفترض على الجانب الميداني، بل تمتد لتشكل تهديداً استراتيجياً مشتركاً لدمشق وبيروت معاً؛ إذ إن استقرار القوات الإسرائيلية في تلك المرتفعات الواسعة يضعها في موقع مشرف ومكشوف على العاصمة السورية دمشق، والتي لن تبعد حينها عن خطوط المواجهة إلا كيلومترات معدودة.

من المؤكد أن أي محاولة إسرائيلية لفرض هذا الواقع الجغرافي والديمغرافي الجديد ستدفع قوى إقليمية ودولية للتدخل العاجل كبحاً للمشروع، نظراً لما يترتب عليه من إعادة صياغة للموازين الجيوسياسية في شرق المتوسط. وتسعى تل أبيب من خلال هذه الوقائع الميدانية إلى ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي على الدولتين اللبنانية والسورية، وتطويقهما لفرض معادلات وتوازنات سياسية جديدة تخدم رؤيتها للمنطقة.