## مأزق "ميكانيزم" تشرين وتفجير نيسان: كيف قرأت "الوفاء للمقاومة" سقوط تفاهمات الـ 15 شهراً؟
في خطوة دبلوماسية استثنائية من حيث التوقيت والمضمون، وجهت كتلة "الوفاء للمقاومة" النيابية مذكرة رسمية موسعة إلى السفارات العربية والأجنبية في بيروت. المذكرة، التي صيغت بلغة قانونية وسياسية حاسمة، لم تكن مجرد توصيف تقليدي لمسار الميدان، بل شكلت "وثيقة اتهام" متكاملة رتبت فيها المقاومة سرديتها حيال أسباب الانفجار العسكري الأخير، محملة "الغطرسة الأميركية" ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المسؤولية الكاملة عن إسقاط "تفاهمات 27 تشرين الثاني 2024" وجر المنطقة إلى مواجهة شاملة.
تكتسب هذه المذكرة أهميتها من كونها تقدم قراءة تفصيلية وموثقة للمرحلة الممتدة على مدار خمسة عشر شهراً الماضية، وتكشف بالوقائع والمعطيات الميدانية والسياسية كيف تحول اتفاق وقف الأعمال العدائية إلى "منصة استباقية" استخدمها الاحتلال للتحضير لعدوانه الحالي.
### 1. تشريح السقوط: 10 آلاف خرق وعقم "الميكانيزم"
تنطلق المذكرة من تفنيد دقيق للمرحلة التي تلت اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. تؤكد الكتلة أن لبنان التزم بالاتفاق بشكل صارم، في حين تعمد الجانب الإسرائيلي تحويل هذه فترة إلى "مهلة استنزاف" مستمرة، تمثلت في تسجيل أكثر من **10,000 خرق إسرائيلي** للسيادة اللبنانية وللاتفاق منذ إقراره.
وترافق ذلك مع إطلاق تهديدات رسمية علنية من نتنياهو لفرض شروط بالقوة وإقامة منطقة عازلة، وصولاً إلى ما كُشف داخلياً في الكيان عن إعداد مخطط مسبق لشن هجمات استباقية على لبنان لربطه بالعدوان على إيران. واتهمت المذكرة اللجنة المكلفة بتطبيق الاتفاق (الميكانيزم) بالتعمد في عدم القيام بدورها، مما أدى إلى عجز الحكومة اللبنانية ورعاة الاتفاق عن إلزام الاحتلال بمندرجاته، وترك الشعب اللبناني يدفع ثمن نزيف دمه بلا حد أدنى من الأمن.
### 2. محطة 8 نيسان الفاصلة: "الغدر" بعد الطمأنينة الباكستانية
توثق المذكرة المنعطف الخطير الذي عاشه لبنان في ربيع 2026. وتشير تحديداً إلى ما وصفته بـ "المجزرة المروعة والمباغتة" في **8 نيسان 2026**، والتي شكلت نقطة التحول العسكري المباشر.
> "جاءت الغارات الإسرائيلية العنيفة على بيروت وبقية المناطق اللبنانية بعد إعلان رئيس الوزراء الباكستاني عن وقف إطلاق نار إقليمي شمل لبنان، وهو ما جعل المواطنين يطمئنون للعودة، ليباغتهم الاحتلال بغارات أسفرت عن استشهاد وجرح ألفي مدني، بينهم أكثر من 100 طفل وعشرات النساء."
>
هذا التوقيت، بحسب القراءة السياسية للمذكرة، يوضح أن تل أبيب نسفت عمداً كافة المناشدات والوساطات الدولية والإقليمية للاستمرار في مخطط "إبادة الحياة المدنية".
### 3. الأهداف الحقيقية للعدوان: سياسة "تجريف الحياة"
لا ترى "الوفاء للمقاومة" في العمليات العسكرية مجرد رد فعل أمني، بل تعتبرها جزءاً من مخطط استيطاني وتوسعي معلن، يستند إلى تصريحات ثلاثي الحكم في إسرائيل (نتنياهو، وزير ماليته، ووزير حربه) والتي تهدف علناً إلى جعل حدود الكيان عند **نهر الليطاني** وإقامة منطقة عازلة جنوباً، بالإضافة إلى تدمير القرى الحدودية وتجريفها بالكامل لمنع السكان المدنيين من العودة.
ولأجل ذلك، عَمِدَ جيش الاحتلال إلى استهداف البنى التحتية الحيوية (المستشفيات، المدارس، محطات الكهرباء والمياه والاتصالات، ودور العبادة) لإعدام مقومات الحياة المدنية، مع استهداف متعمد وممنهج للجيش اللبناني، طواقم الإسعاف، الإعلاميين، وقوات "اليونيفيل".
### 4. التوصيف القانوني: جرائم ضد الإنسانية بموجب "نظام روما"
في الجانب القانوني، تقدم المذكرة مرافعة دولية بالاستناد إلى المادة السابعة من قانون المحكمة الجنائية الدولية. وتؤكد أن ما يرتكبه جيش الاحتلال يقع تماماً تحت تصنيف **"الجرائم ضد الإنسانية"** و**"جرائم الحرب"**، نظراً لتوفر عناصرها الأساسية المتمثلة في: القتل العمد المنهجي، الإبادة، النقل القسري للسكان، وإبعادهم بحرمانهم الشديد من الحرية والبديهيات البدنية، بما يخالف القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان.
### 5. الخيار الإجباري والمطالب الأربعة للحل
أمام هذا الواقع، وبقاء الاحتلال على الأرض وعجز المساعي الدبلوماسية الرسمية، تخلص المذكرة إلى إعلان مشروعية المقاومة كخيار وحيد متبقٍ: *"لم يبقَ أمام شعبنا من خيار سوى اللجوء إلى حقه الإنساني بالدفاع المشروع عن النفس والوجود والسيادة"*، وهو حق تكفله المواثيق الدولية والبيان الوزاري للحكومة اللبنانية.
وفي ختام رسالتها إلى عواصم القرار عبر سفاراتها، حددت الكتلة خريطة طريق واضحة ومحددة لوقف التدهور، مؤكدة أن لبنان لا يحتاج لتفاهمات جديدة بل إلى إلزام الكيان بالتفاهمات القائمة عبر تحقيق أربعة مطالب أساسية:
* **أولاً:** وقف شامل لجميع أشكال الاعتداء على السيادة اللبنانية (براً وبحراً وجواً) واستهداف المدنيين والبنى التحتية والمساكن.
* **ثانياً:** الانسحاب الكامل والغير مشروط لجيش الاحتلال الإسرائيلي من كافة الأراضي اللبنانية حتى الحدود المعترف بها دولياً.
* **ثالثاً:** تأمين العودة الآمنة للسكان إلى قراهم الحدودية والالتزام الكامل بإعادة إعمار ما دمره العدوان.
* **رابعاً:** إطلاق سراح جميع المعتقلين اللبنانيين من سجون الاحتلال.
تضع هذه المذكرة المجتمع الدولي أمام مسؤولياته السياسية والقانونية، لتعيد التأكيد أن أي حديث عن "ترتيبات مستدامة" لا يمكن أن يمر عبر القفز فوق تفاهمات تشرين، أو عبر القبول بفرض سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية بالحديد والنار.




